الفصل 8: الابنة التي قتلت والدها فور ظهورها
ترجمة منصف
بعد أن حفر جيانغ تشنغ لأكثر من عشرة أمتار في باطن الأرض، حدث أخيراً شيء غير متوقّع.
انفجرت أشعة ذهبية إلى السماء، غمرت الكهف بأكمله بضوءٍ ساطعٍ يكاد يعمي الأبصار.
حتى وهو في مرحلة انقسام الروح، وجد جيانغ تشنغ صعوبةً في الوقوف، وتلاشت حدة بصره تماماً أمام هذا الوهج.
لم يستطع أن يرى بوضوح سوى بلّورة شفافة بحجم الإصبع تطفو في مركز الضوء، وقد تشكّلت حولها ملامح وجهٍ بشريٍّ غامض.
ثم… مات.
بينما كانت روحه تنفصل عن جسده، وقف الأخ تشنغ مذهولاً تماماً.
صحيحٌ أن هدفه في الحياة أصبح أن يُقتل على يد خبراءٍ أقوياء، وأن يبحث عن طرقٍ للموت، لكن هذه المرة لم يكن مستعدّاً على الإطلاق.
من كان ليتوقّع أن الحفر بحثاً عن كنزٍ سيؤدي إلى الموت؟!
يا لهذا العالم الخطير بحق!
لولا النظام، لَما عاش ساعةً واحدة بعد تجسّده في هذا العالم.
“دينغ! لقد قُتِل المضيف بواسطة شظية قلب العالم…”
شعر جيانغ تشنغ بالعجز عن حتى التذمّر.
أن يُقتل على يد “شظية”! يا لها من ميتةٍ مخزية.
“المضيف حالياً في المستوى الثاني، ويمكنه الإحياء مرتين يومياً.
يتم الآن تفعيل الإحياء الثاني، مع منح المضيف هالة أصل العالم.
وبهذه الهالة ستعترف به شظية قلب العالم كسيدٍ لها.”
وخلال عملية الإحياء، بدأت البلّورة التي تم استخراجها تتحوّل بشكلٍ سحري.
بدأت شفافيتها تتلاشى شيئاً فشيئاً، وبدأ الشكل البشري المحيط بها يتوضّح،
حتى تحوّل إلى طفلةٍ صغيرة عارية.
وما إن لامست الأرض حتى بدأت تنمو بسرعةٍ مذهلة، كما لو أن الرياح تدفع جسدها نحو النضوج.
وعندما فتح جيانغ تشنغ عينيه بعد إحيائه، كانت الطفلة قد بلغت ثلاث أو أربع سنوات.
واصلت النمو حتى بدت في خمس أو ست سنوات، ثم توقفت أخيراً.
“هل هذه هي هيئة الشظية بعد التجسّد؟”
“هل أصبحت تملك وعياً ذاتياً؟”
كان جيانغ تشنغ متقبّلاً للأمور الغريبة بسهولة، فالعالم الذي يعيش فيه مليء بالعجائب.
لكن ما حدث بعد ذلك كاد أن يدمّر أعصابه بالكامل.
الطفلة الصغيرة، بشعرها المبعثر ووجهها الساحر البريء، نظرت إليه بعينيها السوداوين اللامعتين،
ثم ركضت نحوه بخطواتٍ قصيرة متعثّرة، ومدّت يديها الممتلئتين نحوه قائلة بصوتٍ طفوليٍّ صافٍ:
“ماما!”
“أنتِ من تكونين ماما؟!”
بوووووف!
تقيّأ جيانغ تشنغ دماً من شدّة الصدمة.
كان يفهم أن النظام هو السبب، وأن الشظية تعرّفت عليه كسيّدٍ لها بسبب ما يُسمّى بـ”هالة الأصل”،
لكن أن تعتبره أمّها؟!
لقد سمع عن الحيوانات التي تطبع على أوّل من تراه بعد الفقس،
لكن لم يتوقّع أن شظية قلب العالم تتعرّف على مالكها بهذه الطريقة!
وفوق ذلك تناديه ماما…
اندفعت الطفلة بقوةٍ تفوق التوقّع حتى كادت تطرحه أرضاً.
وحين استعاد توازنه، رفعت ذراعيها من جديد وقالت ببراءةٍ متوسلة:
“حضن! ماما حضن!”
ارتعصت زاوية فم جيانغ تشنغ وهو يلتقطها بتنهيدةٍ متعبة.
“أنا أبوكِ، ألا ترين أنني رجل وسيم؟!”
لكن الطفلة أجهشت بالبكاء فجأة:
“ماما ما تبغاني! واااااه!”
وتشبّثت بعنقه بشدّةٍ كادت تخنقه.
اضطر جيانغ تشنغ لتغيير لهجته بسرعةٍ وهو يربّت على رأسها:
“حسناً، حسناً، فقط غيّري المناداة إلى ‘أبي’، اتفقنا؟”
“ماما!”
“هل لا تفهمين لغة البشر؟!”
“ماما!”
وحين خرج من الكهف، كان وجهه الوسيم مغطّى تماماً باللعاب.
وفي النهاية، خسر المعركة حول لقب “ماما”.
خارج الكهف، كانت جي لينغهان تضحك حتى دمعت عيناها.
لم تكن تعرف أن جيانغ تشنغ قد مات مرةً أخرى،
لكنها رأت بعينيها كيف تجسّدت الشظية واعترفت به كسيّدٍ لها.
ورغم أنها لم تسمع من قبل بشظايا قلب العالم،
فهي تعلم أن أي شيءٍ قادرٍ على التشكل الذاتي لا بدّ أن يكون كنزاً من أعلى المستويات.
“تهانينا، أيها الزعيم!”
كانت تعتبره الآن أحد أفراد طائفتها حقاً، وامتلاك الزعيم لمثل هذا الكنز العجيب أمرٌ يستحق الفخر.
لكنها مع ذلك لم تستطع كبح ضحكتها، تغطي فمها بين الحين والآخر وهي تهمس بخبث.
أما الأخ تشنغ، فكان يشعر بالمهانة: أن يُنادى بـ”ماما” أمام الجميع!
قال بامتعاض:
“علّميها أنتِ كيف تتحدث، اجعليها تغيّر المناداة، يبدو أنها لا تفهم الكثير.
ثم ساعديها على الاستحمام، وأحضري لها ثياباً.”
ناولها الطفلة وهو يتنفس الصعداء.
“بالطبع!”
كانت جي لينغهان متحمّسة، فالطفلة من شدة لطافتها تُذيب القلب،
وقد كانت تتمنّى منذ البداية أن تحملها.
لكن الطفلة نفخت خدّيها وأدارت وجهها بعيداً قائلة بإصرارٍ طفوليٍّ حادّ:
“لا! أريد ماما فقط!”
تجمّدت جي لينغهان في مكانها، وقد امتلأت عيناها بالحرج والخيبة.
أما جيانغ تشنغ فكان مسروراً في أعماقه؛
فهذا يعني أن الشظية بعد اعترافها به، أصبحت مرتبطةً به بشكلٍ مطلق.
ربّت على رأسها مبتسماً:
“يا صغيرتي، هذه العمة واحدةٌ منّا، ستعلّمك الكثير من الأشياء، كوني مطيعة، حسناً؟”
نظرت الطفلة إليه، ثم إلى جي لينغهان، ثم أومأت برأسها أخيراً:
“سأسمع كلام ماما.”
ابتسم جيانغ تشنغ برضا:
“طفلةٌ مطيعة حقاً!”
أخذت جي لينغهان الطفلة وهي سعيدة،
لكن في اللحظة التالية سقطت مغشيّاً عليها!
“ماذا بحق الجحيم؟!”
التقطها جيانغ تشنغ بسرعة وهو يحدّق بوجهها الباهت:
“ما الذي تفعلينه؟! لا تقولي إنك قتلتها!”
فالنظام لا يُحيي سوى نفسه، وليس الآخرين!
وكان يحتفظ بانطباعٍ جيدٍ عن جي لينغهان،
فهي لم تتصرّف بجشعٍ أو عدائيةٍ مثله مثل باقي المزارعين،
بل أظهرت خُلُقاً نادراً ووفاءً صادقاً.
حتى لو لم تكن تلميذةً في طائفته، لم يكن ليرضى برؤيتها تموت أمامه.
ابتسمت الطفلة بخبثٍ بريء، وهزّت رأسها:
“ما قتلتها، بتفيق بعد شوي.”
“هاه؟”
تحقّق جيانغ تشنغ من حالتها، فوجدها بالفعل قد أغمي عليها فقط.
“ماذا فعلتِ بها؟”
“ما قلت ماما أتعلم منها؟ دخلت وعيها وتعلّمت كل اللي تعرفه.”
وبينما كانت تتحدث، لوّحت الطفلة بيدها الصغيرة،
فانبعثت حولها دوائر ضوءٍ ورديٍّ متلألئة كأنها نجوم صغيرة.
وفي لحظات، ظهرت على جسدها فستانٌ زهريٌّ جميل،
وتحرّك شعرها دون أن تلمسه الرياح، متحوّلاً بسحرٍ غريب إلى ضفيرتين لطيفتين.
وبنظرةٍ واحدة، لم تعد تختلف عن أي طفلةٍ بشريةٍ أخرى…
سوى في شيءٍ واحد — أنها أجمل بكثير.
التعليقات