الفصل الأول – نظرية كوكب السجن
هذا الفصل هو المقدمة. يمكنك تخطيه إن شئت، لكن يُنصح بقراءته فهو مشوّق ولن يأخذ من وقتك الكثير.
في عالم مليء بالوحل،
كونك غبيًا يُعد امتيازًا، بينما على الأذكياء أن يجتهدوا.
عثر عالمٌ معين على نظرية؛
شيءٌ غامضٌ للغاية ومليء بالأسرار.
نظرية “كوكب السجن”.
في جوهرها، تقول النظرية إن هذا الكوكب ليس سوى سجنٍ كوني—مكانٌ يُحبَس فيه البشر في دورة لا نهاية لها من التناسخ.
عندما يموت الإنسان، تُمحى ذاكرته بالكامل، ليُولد مرة أخرى في هذا العالم، ملعونًا بأن يعيش حياة بلا هدف أو معنى حقيقي.
ورغم أن معظم العلماء كانوا ليسخرون من هذه الفكرة دون إمعان، قرر هذا العالم المميز الغوص في تفاصيلها، مواكبًا لقب “العالم المجنون” الذي أُعطي له من زملائه والجمهور.
وهكذا بدأ بحثه، مدفوعًا بالرغبة في اكتشاف الحقيقة، إن وجدت، المخبأة تحت هذا الافتراض.
كانت رؤيته دائمًا فريدة.
بينما كان الآخرون يحدقون في النجوم، مفتونين بما وراءها، كان هو يسير على الأرض، متتبعًا الأدلة المخفية تحت السماء الزرقاء الواسعة.
بينما بنوا الصواريخ لاستكشاف الكواكب البعيدة، درس هو النصوص القديمة، باحثًا عن الحكمة المنسية من حضارات تحدثت عن عوالم تتجاوز عالمهم.
بينما كانوا يرسمون النجوم بالآلات والعلم، كان هو يتجول بين الأطلال، مستمعًا إلى همسات الماضي، مؤمنًا بأن الإجابات أقرب مما يعتقد أي شخص.
وأخيرًا، بعد سنوات من الجهد المتواصل واستنزاف موارده وتكريس حياته، وجد ما كان يبحث عنه.
قد يسميه البعض اختراعًا، وآخرون اكتشافًا، لكن هذه التسميات لم تكن ذات أهمية كبرى في الصورة الأكبر.
ما كان يهم حقًا هو أنه وجد تمزقًا صغيرًا في نسيج العالم، مثل شق في جدران السجن.
صدع يؤدي إلى الجانب الآخر من الوجود.
لقد قضى معظم حياته في البحث عن هذا الصدع، والآن بعد أن وجده، كان عازمًا على استكشاف ما وراءه لبقية رحلته.
ولكن قبل أن يبدأ، كان هناك سؤالان حاسمان يجب عليه الإجابة عنهما مهما كلف الأمر.
ومع ذلك، لم تتح له الفرصة للعثور على الإجابات، إذ حدث ما لم يكن متوقعًا.
لم يستطع أي أحد، ولا حتى العالم المجنون نفسه، فهم متى أو لماذا بدأت الأمور، لكنها حدثت في لحظة.
في لحظة، امتلأت السماء بعدد لا يحصى من خطوط الضوء، تحلق عبر الأفق كالنجوم الساقطة، تاركة خلفها آثارًا مضيئة.
وفي اللحظة التالية، اصطدمت هذه الخطوط بالأرض، واختفت في وميض أعمى قبل أن تنفجر الأرض بعنف.
هذه كانت البداية.
كان عالم الحرب على وشك أن يبدأ.
ولم تكن هذه المرة بالسيوف، بل بأخطر أسلحة البشرية.
الرؤوس النووية.
حتى الآن، لم يشك أحد في القوة التدميرية لصاروخ نووي واحد.
ولم يتساءل أحد عن الدمار الذي يمكن أن تحدثه آلاف الصواريخ على الكوكب.
ولكن، للأسف، اضطروا لتجربة هذه الكارثة كواقعٍ مفروض عليهم، كما لو أنهم كانوا بحاجة لإثبات ما يعرفونه بالفعل.
في ليلة واحدة، دُمرت المدن، وأصبحت المنازل قبورًا لسكانها.
اختفت الأنهار والبحيرات، تاركة وراءها حفرًا عميقة.
تحولت الغابات إلى قبور نارية، تبتلع الأرواح داخلها.
كانت اللحظة جحيمية، وما بعد ذلك لم يكن أقل قسوة.
سقطت الحكومات، وتفككت الأمم، وانهار النظام تمامًا. بينما هلك بعض الناس في الانفجارات، سقط آخرون في السنوات التالية، ضحايا الجوع وغياب المأوى والأمراض الفتاكة التي أفرزتها الأسلحة الكيميائية والإشعاعية.
لقد جلبت الإنسانية نهايتها على نفسها. ومع ذلك، لحسن الحظ، لم يُطفأ الأمل بالكامل.
لطالما كان البشر نوعًا يتعلم من أخطائه، وينمو عبر التحديات، ويخرج من الرماد.
وكانت هذه المرة لا تختلف.
بعد سنوات عديدة، بدأ الناس في الخروج من ملاجئهم. ومن بينهم، برز اثنا عشر فردًا. لم يكونوا فقط حكماء بما يكفي لبناء ملاجئ تحت الأرض والبقاء على قيد الحياة، بل كان لديهم أيضًا الموارد والنفوذ والقدرة على قيادة عملية إعادة بناء الإنسانية.
في عالم مليء بالجروح ومحدود الموارد، طالب كل منهم بمنطقة لنفسه. وبكل الوسائل المتاحة، بنوا مدنًا محمية، مستعيدين النظام وخلقوا مكانًا يمكن للبشر أن يزدهروا فيه مرة أخرى.
ومرت سنوات عديدة، وتحت قيادة هؤلاء الأفراد، الذين سيُعرفون لاحقًا بـ مديري المدن، عادت الحياة تدريجيًا إلى شبه طبيعتها السابقة، رغم أنها لم تعد كما كانت من قبل.
بنوا النصب التذكارية في كل مكان، مقدمين خطبًا يومية لتذكير الناس بأخطائهم الماضية والعهد على عدم تكرارها.
ولكن كان هناك شيء قد نُسي منذ زمن طويل.
العالم المجنون الذي كان مشهورًا ذات يوم، قد اختفى من ذاكرة الناس، تمامًا كما اختفى في الانفجارات التي شهدتها تلك اللحظة المصيرية.
لم يعرف أحد ما اكتشفه، ولم تتح لأحد الفرصة للإجابة عن السؤالين اللذين طرحهما على نفسه ذلك اليوم:
- هل الأرض حقًا سجنٌ صُمم لحبس البشرية إلى الأبد؟
- وإذا كانت الأرض بالفعل سجنًا لأرواحنا، فما هي الخيارات أو الأخطاء التي أدت إلى احتجازنا هنا؟
إلى أن…
التعليقات