الفصل 3 – إرادة النجاة: الخبز أم الدم
كان الطين يلتصق بأقدام صبي شاب متسخ، سميك ولزج، وكأن الشارع نفسه يحاول سحبه للأسفل. كل خطوة شعرت وكأنها تمزيق من قيود مبللة، لكنه لم يتوقف. لم يستطع. ليس مع الصراخ خلفه الذي يزداد ارتفاعًا.
كانت شوارع غرايريدج ملتوية حوله—حصى حاد، مصارف غير مستوية، وبرك بول في شقوق الحجارة. كانت الرائحة مألوفة. وكذلك الأزقة، النظرات الجانبية، ثقل الركض بينما الجميع يتظاهر بعدم رؤيته.
أمسك بالقطعة الصغيرة من الخبز بشدة إلى صدره—مشوهة، محترقة، صلبة كالخشب وقبيحة مضاعفة. لكنها طعام. والآن كانت له، سواء أعجب الرجل الغاضب الذي يطارده أم لا.
“لص! أوقفوه!” قطع الصراخ ضجيج الصباح، تلاه أصوات—غاضبة، تتعثر خلفه.
لم ينظر إلى الخلف. لم ينظر أبدًا إلى الخلف. كانت هذه القاعدة الأولى. النظر إلى الخلف يعني التردد، والتردد يعني الألم.
انطلق بين عربتين، يلمس أحد يديه حافة عجلة بينما الأخرى ظلت مشدودة حول الخبز وكأنه قد يختفي لو أرخى قبضته. تصادم على يساره—شخص ما اصطدم بصندوق. انحرف بقوة، كتفه يخدش الطوب، ثم قفز إلى زقاق ضيق، مختبئًا خلف كومة من صناديق السمك النتنة. الضيق ضربه فورًا—ماء مملح قديم وأمعاء فاسدة—لكنه انحنى على أي حال، يتنفس بأسنانه المضمومة.
حلّ السكون. مرت بضع ثوانٍ. ثم أكثر. لا خطوات. لا صراخ. فقط الماء يتساقط من الأسطح والأزيز الخافت لإشارة فضفاضة في مكان ما على طول الزقاق.
ارتعشت ساقاه. احترق صدره. كل شهيق مؤلم. ضيق جدًا، حاد جدًا. لكن لم يأتِ أحد.
انزل الصبي بجسده ببطء، مستندًا على الجدار البارد. جذب ركبتيه إلى صدره. بقي الخبز قريبًا. لم يجرؤ على إرخاء أصابعه.
في النهاية، أرخى يدًا واحدة وحدق في القطعة. السطح محروق بالأسود. الحواف متشققة. ربما تم التخلص منه قبل أن يلتقطه. لكنه صلب. سيدوم. وكان له. وهذا كان كافيًا.
عضّ منه. القشرة خدشت لثته. الداخل نصف قديم، بالكاد قابل للمضغ. مزقه بأسنانه على أي حال، فكه مشدود، يمضغ ببطء وعناد. كل ابتلاع مؤلم. لكنه لم يهتم. كان يأكل.
مال برأسه إلى الوراء مستندًا على الجدار، يتنفس متناسقًا مع قطرات المطر الناعمة المتساقطة عبر فم الزقاق. الماء يتدفق في جداول رقيقة بين الحجارة. كان ثوبه ملتصقًا به كورق مبلل—مخيط، مهترئ، أكثر ثقب من القماش. البرد تسلل عبر القماش، متتبعًا عموده الفقري كيد بطيئة.
كانت أضلاعه بارزة. ركباه متقرحتان. لم تغادر الأوساخ بشرته بعد الآن. لكنه كان يتنفس. في الوقت الحالي. كان هذا كافيًا.
أغمض عينيه.
ثم حدث شيء.
وميض—ليس ضوءًا، ولا صوتًا. شيء بداخله. كإصبع يطرق بلطف على مؤخرة عقله.
فتح عينيه. لا يزال الزقاق. لا يزال المطر. لا يزال وزن الجوع والبرد. لكن شيئًا آخر كان موجودًا أيضًا. سحب. خفيف. مجوف. تقريبًا… فضولي.
تجمد. العضّة في فمه بقيت نصف ممضوغة. الخبز، لا يزال في حضنه. الإحساس لم يختفِ. بل تعمق. ناعم في البداية—كأنك تقف على حافة منحدر وتشعر بالهواء يتغير قبل العاصفة. ثم حاد. ثم ألم.
ضربه دون سابق إنذار. شوكة مفاجئة في جمجمته—أعمى وخام. رفعت يديه إلى رأسه بينما جسده ارتجف، ساقاه تمتدّان للخارج، ووقع الخبز في الوحل بجانبه بصوت خافت.
انهار إلى الجانب. لم يستطع الصراخ. لم يستطع التنفس. لم يكن البرد. لم يكن الصدمة. كان ذاكرة.
تدفقت كل الأشياء دفعة واحدة—صور تصطدم بعقله كلكمات. المطر على سطح. صوت ديفون، متفاخر وقريب جدًا. وميض أبيض. برق. ثم ظلام. ثم نور. الفراغ. كائن كبير جدًا لا يمكن تسميته.
صوت لم يكن صوتًا. عجلة تدور بجاذبية مستحيلة.
ليون. الاسم اجتاحه. ليس فأر زقاق. ليس هذا الظل نصف الجائع المختبئ خلف صناديق السمك. ليون. الصبي الذي مات. الصبي الذي تفاوض. وفاز.
سبع كنوز. سبع جوائز إلهية سخيفة، عبثية—
ملعقة. عباءة. حذاء. كرة. بعد. خاتم. سيف.
عادوا أجزاءً، ثم دفعة واحدة. ليست أحلامًا. حقيقية. اسمه. ذاته. ليون.
علت أنفاسه في حلقه. ثم همسة—أوضح من الصوت.
“كنوزك مختومة في بعد خاص مرتبط بروحك.”
لم يتذكر سماع تلك الكلمات. لكنه ‘عرفها’. بطريقة ما، عرف.
أجبر ليون جسده على الثبات. لم يتحرك. لم يتحدث. فقط أغلق عينيه مرة أخرى ووصل—ليس نحو الفكر، ولا العاطفة، ولا الذاكرة. نحو الفضاء.
وهناك كانت. باردة. صامتة. خزنة بداخله. لا جدران. لا أقفال. فقط الإرادة.
لمسه عقله، وظهر له الصورة بوضوح. سبعة مراسي. سبع حقائق. سبع قطع من التحدي.
اختار ما يحتاجه أكثر.
المعلقة. لم يناديها. فقط ‘وصل’ إليها—وظهرت. في يده.
عادية. معدنية. مخدوشة. شبه غبية في عاديّتها. حتى امتلأت. ارتفع البخار بلطف من الوعاء الضحل. ضربت رائحته أنفه وارتطمت مباشرة بصدره.
مرق دافئ. غني. شهي. حقيقي.
زأر معدته بصوت عالٍ حتى أنه آلمه. رفعها إلى شفتيه. وشرب.
أول رشفة كسرته. كانت مثالية. ناعمة. كريمية. شيء حاد خلفها—فلفل ربما؟ لم يهتم. لم يتوقف.
شرب مرة أخرى. ومرة أخرى. وعندما لم يختفِ الطعم، وعندما أعادت الملعقة ملئها بهدوء—
ضحك. بدأ كهمهمة. ثم شهقة. ثم ضحكة هادئة كاملة اهتزت كتفيه وألمت أضلاعه المتشققة.
لم يكن جنونًا. لم يكن فرحًا. كان انفراجًا.
لم يعد يتوسل. لم يعد يزحف. أصبح لديه قوة الآن. لأول مرة في هذا العالم، لم يكن ينتظر الأذى.
كان يجلس في بركة من القذارة، والمطر ينقط من شعره، يضحك في ملعقة تتحدى الجوع. وشعر أنه على قيد الحياة أكثر من أي وقت مضى.
نظر إلى الملعقة. وابتسم.
“أفترض أن الحساء اللامتناهي ليس بداية سيئة جدًا”، تمتم.
ثم بصوت أهدأ—عينيه تضيق، صوته منخفض: “…لنرى ماذا يمكنني أن أطبخ بعد ذلك.”
استند إلى الجدار، والمطر ينقط من المزاريب المكسورة فوقه، والمرق دافئ في يده.
لأول مرة منذ استيقاظه في هذا العالم… لم يشعر كفريسة.
صراحةً، الرواية رائعة! لا تنسوا مشاركة تعليقاتكم وآرائكم معنا ❤️
اخوكم منصف ❤️
التعليقات